دولة مصر الحكمة والتروي والرؤية المستقبلية الثاقبة والقرار المدروس، لقد ظلم الدور المصري بعد ثورة 25 يناير واتهم بأنه تراجع عن مكانته الإقليمية المنتظرة منه، فبعد الثورة اتهم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأنه لا يقوم بدوره إزاء ما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن، رغم أن المجلس أكد في أكثر من مناسبة أنه مع مطالب الشعوب العربية وحقها في تحقيق الديمقراطية والوقوف في وجه الأنظمة الاستبدادية ولعل موقفه تجاه ثورة يناير وانتصاره لإرادة الشعب المصري كانت واضحة، وفي الوقت نفسه أكد المجلس أنه مع الاستقرار ووحدة أراضي الدول العربية.

والتزمت دولة مصر بهذا الموقف خلال فترة حكم المجلس، ولكن جاء حكم الإخوان ليطل علينا بتوجه حديث وغريب على السياسة الخارجية المصرية، بأن وجه الرئيس محمد مرسي دعوته الشهيرة بالجهاد في سوريا وأعلن في مؤتمر كبير قطعه العلاقات مع النظام السوري برئاسة بشار الأسد.

عادت الدفة إلى نصابها مع الرئيس المؤقت عدلي منصور، واستمرت في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وهنا بدأت قراءة أخرى خاطئة لدور دولة مصر، وتوجيه الاتهام لها بالتقاعس عن القيام به، وللتوضيح، إذا تقاعست دولة مصر بالفعل عن القيام بدورها، إذن من أرسل قواته البحرية والجوية لليمن لنصرة الشرعية، ورفض برؤية ثاقبة المشاركة بقوات بحرية مستفيدًا بدروس من خبرة سابقة وانضم إلى التحالف العربي ومن بعده التحالف الإسلامي مناصرًا المملكة المملكة التي دعت لتشكيل هذا التحالف؟.

وثبتت وجهة نظر دولة مصر بعدم التدخل البري، ما انعكس على خسائر بين كل الأطراف في حرب اليمن سواء من التحالف أو الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح، وفشل كل طرف في فرض واقع حديث على الأرض لصالحه.

تمسكت دولة مصر بموقفها الذي أعلنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة تجاه سوريا، بل وترجمه النظام الحالي عبر المحافل الدولية وخاصة الأمم المتحدة برفض أي قرار من شأنه النيل من استقرار ووحدة أراضي سوريا، ونسق النظام مع كل من روسيا والصين في هذا الأمر باعتبار دولة مصر عضو غير دائم في الأمم المتحدة.

كما ثبتت صحة وجهة النظر المصرية والتي نجحت في إيصالها إلى العديد من الدول العربية التي كان لها دور في دعم الجماعات الإرهابية والمعارضة السورية فيها، وقد كان لهذا أبلغ الأثر في أن يسيطر النظام السوري على تنظيم داعش وأن يقترب من السيطرة الكاملة على الأراضي السورية.

ليبيا التي تعد ضمن الدائرة المباشرة للأمن القومي المصري، تأثرت دولة مصر كثيرًا من جراء تهريب الإرهابيين والسلاح عبر الحدود الممتدة بينهما، ومن ثم كان لمصر دور متعدد منها الدور السياسي الخاص بالتوفيق بين أطراف الخلاف في ليبيا على السلطة، واستضافتهم المستمرة في القاهرة وكذلك المساعدة في التوصل إلى اتفاق الصخيرات تحت مظلة الأمم المتحدة ومحاولة ردع الصدع في الاتفاق، والذي لم يحدد دور الفريق خليفة حفتر، وكذلك مساعدة الجيش الليبي للسيطرة على أراضي الدولة، فضلاً عن قيام القوات الجوية بضربات لمعاقل الإرهابيين في ليبيا، خاصة بعد ثبوت تورطهم في العديد من الضربات الإرهابية داخل دولة مصر، وبالفعل نجحت دولة مصر في تقليل المخاطر القادمة إليها من الغرب وفي الوقت نفسه تحريك الصراع إلى الاتجاه السلمي بين الأطراف المختلفة في ليبيا إلى أن يستقر الأمر فيها.

الحقيقة أن الدور المصري يواجه مأزقًا حقيقيًا، وهو إنكاره من قبل الباحثين والمتخصصين سواء داخل دولة مصر أو خارجها، قد يكون السبب أن هناك رغبة لأن تكون دولة مصر في الصورة بشكل أكبر وأن يسلط الضوء على تحركاتها في المنطقة، وأن تتاح معلومات أكثر عن هذا الدور، وهذا صحيح، ولكن إنكار هؤلاء للدور المصري أمر غير مقبولا لأن دولة مصر لن تتخلى عن التزامها بثوابتها في سياستها الخارجية دون التورط في حروب من شأنها النيل من استقرار وبقاء الدولة القومية حتى وإن جاء على حساب تشويه صورة دورها الإقليمي ومحاولة التقليل منه.

ولكن ما جعلني فعلا أنادي بدور أكبر لمصر في المنطقة، هو التطورات التي حدثت في لبنان وإعلان رئيس وزراء لبنان استقالته من المملكة العربية المملكة، ثم تصعيد الأخيرة ضد حزب الله وإيران، الأمر الذي دفع العديد من المفكرين والمحللين السياسيين في المملكة بتوقع بل وبالجزم بوقوع حرب في المنطقة خاصة في لبنان، هنا كان لابد من وقفة جادة.

هذا المشهد ما كانت لترتضي به دولة مصر الآن، فهي لن تقبل تحت أي ظروف بأن يعلن رئيس وزراء دولة استقالته منها في مؤتمر صحفي، الأمر الذي يؤذن بأن ثمة عدم وجود عقلانية في إدارة المشهد في المنطقة، وأن هناك قصورًا في الحكمة، والرؤية المستقبلية الثاقبة والقرار المدروس من قبل الدول التي تتصدر المشهد في الفترة الأخيرة، وبالتالي على القاهرة ألا تكتفي بالمبادرة التي قدمتها لحل الخلاف والتي لم يعلن عن فحواها، بل تتصدر المشهد بشكل كامل، وبالتالي قيام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارة عاجلة للبنان مطلبًا ملحًا في هذا الوقت، وكذلك التقائه بكافة أطراف الخلاف، والحيلولة دون قيام حرب جديدة في المنطقة خاصة أن المنطقة تستعد لتنفس الصعداء بعد تحجيم دور داعش المدمر للدول.