لم تبخل دولة مصر حكومة وجيشًا وشعبًا بشيء تجاه القضية الفلسطينية بل بذلت النفيس والغالى من أجل ترابها الذى تراه امتدادها لترابها الوطني، وجزءًا من أمنها القومي، لم تقدم دولة فى المحيط العربى والإقليمي لفلسطين ما قدمته”أصل الحضارة”، دون مصلحة سوى مصلحة الشعب الفلسطيني ذاته.

منح “من لا يملك “دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، ما لا يستحق “إسرائيل”، اعترافًا رسميًا بأن القدس عاصمة لإسرائيل، في ظل رفض مصري تام وردود أفعال دولية وعربية غاضبة، إلا أن هناك بعد الأصوات زايدت على دولة مصر ودورها، الأمر الذي يؤكد أن من يهاجم لا يعلم شيء عن تاريخ دولة مصر ودورها الجذري المحوري في القضية الفلسطينية.

وفي فيديو نادر للرئيس الأسبق حسني مبارك أعلن عن أرقام الشهداء الذين قدمتهم دولة مصر من أجل القضية الفلسطينية، قائلا: “إن دولة مصر حملت لواء القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وقدمت 120 ألف شهيد من أجلها”.

الجيش المصري وحرب 1948

التسلسل الزمني للأحداث التي شهدتها العلاقات المصرية الفلسطينية ترصد كيف دفعت دولة مصر ثمنًا غاليًا من أجل تلك القضية منذ الاحتلال، فمنذ عام 1948 عارضت دولة مصر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية وعربية، تزامنا مع تزايد الميليشيات الصهيونية التي تقاتل الفلسطيين وتأخذ أراضيهم، فكان الجيش المصري على رأس الجيوش العربية التي توجهت إلى فلسطين وشنت هجومًا عسكريًا لطرد المليشيات اليهودية من فلسطين في مايو 1948 استمر حتى مارس 1949، وعقب الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية أمام العدو الصهيوني الذي وقف خلفه بريطانيا العظمى، شاركت دولة مصر بوفد في مفاوضات الهدنة مع إسرائيل عام 1949.

جمال عبد الناصر والقضية الفلسطينية

بعد وصول جمال عبدالناصر إلى سدة الحكم في دولة مصر، حاول حل القضية الفلسطينة، وأجرى اتصالات سرية بغرض السلام مع إسرائيل في عامي 1954 – 1955، لكنه اكتشف أنها دولة استعمارية وأن السلام مع إسرائيل مستحيل، وفي 28 فبراير 1955، هاجمت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، الذي كانت تسيطر عليه دولة مصر في ذلك الوقت، وأعلنت إسرائيل أن هدفها هو القضاء على الغارات الفدائية الفلسطينية، وفي وقت لاحق أمر ناصر بتشديد الحصار على الملاحة الإسرائيلية من خلال مضيق تيران، فقام الإسرائيليون بإعادة عسكرة منطقة عوجة الحفير منزوعة السلاح على الحدود المصرية في 21 سبتمبر من نفس العام.

العدوان الثلاثي

كانت ولا زالت تخشى إسراتئيل من دولة مصر في دورها الريادي تجاه القضية الفلسطينية، فدولة الاحتلال الإسرائيلي لن تجد فرصة إلا وتستغلها من أجل ردع هذه القوة، وهو ما جاء لها على طبق من ذهب حينما قررت فرنسا وبريطانيا إعلان الحرب على دولة مصر عقب تأميم قناة السويس، فقررت المشاركة لتدمير فرق الجيش المصري الموجود في سيناء، حيث اشتركت الثلاث دول بحرب ضد دولة مصر وعرفت باسم “العدوان الثلاثي” عام 1956.

عبدالناصر يدافع عن فلسطين بالأمم المتحدة

عنف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك 5-10-1960 في حضور 13 دولة فقط من الدول الأفريقية، المجتمع الدولي والدول الكبرى الأعضاء بالأمم المتحدة لتجاهلهم المواثيق المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني.

دولة مصر تنشئ منظمة التحرير الفلسطينية

دعم ناصر حق عودة الفلسطينيين لمنازلهم، ودعا إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وفي يناير 1964، دعا ناصر لعقد قمة الجامعة العربية في القاهرة، لعمل استجابة عربية موحدة ضد خطط إسرائيل لاستخدام مياه نهر مملكة الاردن لأغراض اقتصادية، كما شجع ناصر سوريا والفدائيين الفلسطينيين ضد استفزازات الإسرائيليين، وفي مايو، بدأ يشارك رسميًا بدوره القيادي في قضية فلسطين، قبل الشروع في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في مايو 1964.

حرب 1967

يوم 22 مايو 1967 أمر جمال عبدالناصر بإغلاق مضيق تيران قبالة خليج العقبة أمام السفن التي تحمل العلم الإسرائيلي والسفن التي تحمل معدات حربية لإسرائيل، بسبب استفزازاتها المتكررة واعتدائها على الفلسطينيين، ارفاق لأنباء عن حشد قواتها، واعتبرت الحكومة الإسرائيلية القرار المصري “فرض حصار بحري وعملاً حربيًا وعدائيًا يجب الرد عليه”، فشنت حرب ضد القوات المصرية في 5 يونيو من هذا العام والأردن وسوريا، واحتلت سيناء والضفة الغربية الخاضعة للأردن وغزة الخاضعة لمصر، ارفاق لسيناء وهضبة الجولان السورية.

حرب الاستنزاف وحركة فتح

في يناير 1968، بدأ عبدالناصر حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل، حيث أمر بشن هجمات ضد مواقع إسرائيلية شرق قناة السويس ثم حاصر القناة، وفي مارس عرض ناصر مساعدة حركة فتح بالأسلحة والأموال بعد أدائهم ضد القوات الإسرائيلية في معركة الكرامة.

جمال عبد الناصر ومنظمة التحرير الفلسطينية

بدأت حرب استنزاف كبرى، خاضتها دولة مصر ضد إسرائيل وفي نوفمبر 1969، ومن خلال عبدالناصر تم عقد اتفاق القاهرة 1969 بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش اللبناني الذي منح المقاتلين الفلسطينيين الحق في استخدام الأراضي اللبنانية لمهاجمة إسرائيل.

وقف الاقتتال الأردني الفلسطيني

توسط عبدالناصر لوقف إطلاق النار بين ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، والملك حسين عاهل مملكة الاردن، في القمة العربية الطارئة في القاهرة يوم 27 سبتمبر 1970، قبل موت عبد الناصر بيوم واحد، حيث بدأت التوترات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة في مملكة الاردن التي أطلقت حملة عسكرية عرفت لاحقًا باسم “أيلول الأسود” للقضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية.

حرب 1973 وفلسطين

عقب انتصار دولة مصر في حرب أكتوبر لم تتخل أيضًا عن فلسطين، وفي 26 مارس 1979 وعقب محادثات كامب ديفيد وقع الجانبان المصري والإسرائيلي على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وكانت المحاور الرئيسية للمعاهدة هي إنهاء حالة الحرب، وتضمنت الاتفاقية أيضًا البدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242.

السادات ودعم القضية الفلسطينية

بعد انتهاء الحرب مع إسرائيل، وقيام سلام بين البلدين، لم يترك محمد أنور السادات، القضية الفلسطينية، وحينما توجه إلى الكينسيت الإسرائيلي وألقى خطابه الشهير تحدث: “عليكم أن تتخلوا عن أحلام الغزو، لن يجديكم التوسع شيئا، وأن أرضنا لن تقبل للمساومة، والتراب الوطني بمنزلة الوادي المقدس الذى كلم فيه الله موسى عليه السلام، وإذا كنتم وجدتم المبرر القانوني والأخلاقي لإقامة وطن على أرض لم تكن كلها ملك لكم فمن الأولى بكم أن تتفهموا إصرار شعب فلسطين على إقامة دولتهم من حديث، وإن يتخلى شعب فلسطين عن هدفهم الأسمى فإن معنى ذلك في الواقع وحقيقة الأمر تخليهم عن هويتهم وعن كل أمل لهم في المستقبل”، متابعًا: “هناك أرض احتلها ولازالت تحتلها إسرائيل بقوة السلاح وتصر على تحقيق الانسحاب الكامل منها بما فيها القدس العربية التي حضرت إليها باعتبارها مدينة التي كانت وستظل على الدوام التجسيد الحي للتعايش بين المؤمنين بالديانات الثلاثة”.

1981

منذ توليه رئاسة دولة مصر في أكتوبر 1981، وضع مبارك، القضية الفلسطينية نصب عينه، ودافع عنها فى كل المحافل الدولية، وفي سبتمبر 1993 شارك الرئيس مبارك في توقيع اتفاق أوسلو الخاص بحق الفلسطينيين في الحكم الذاتي، وفي إحدى خطاباته تحدث: “لا أحد سيقبل تهويد القدس” بهذه الكلمات الحاسمة، عبرّ الرئيس الأسبق في أحد خطاباته عن موقفه وموقف العرب من القضية الفلسطينية، قائلا: “أؤكد أن القدس والأماكن المقدسة أرض محتلة من سنة 67، ولا الفلسطينيين ولا أي واحد في العرب في المنطقة سيوافق على السيادة على القدس والأماكن المقدسة مهما كانت الظروف، ولا يمكن أحد يتنازل عنها، ولذلك يجب أن تضع إسرائيل هذا أمام أعينها إذا كانت تريد السلام”.

وفي مؤتمر صحفي الثلاثاء 6/1/2009 طرح الرئيس الأسبق ونظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي وقتها، مبادرة مصرية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، ووصف في مستهل المؤتمر الموقف الإسرائيلي في غزة واعتبره شديد الخطورة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، واستمرت المبادرات المصرية في حل القضية حتى الآن.

عدلى منصور

عقب ثورة 30 يونيو، انتهجت حركة حماس موقفا معاديا لمصر وجيشها، ولم يثن ذلك عزيمة دولة مصر في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ولم تتخذها مبررًا لترك القضية التي كلفتها مالاً ودمائًا لا تحصى، واخبر الرئيس السابق المستشار عدلى منصور، فى إحدى اللقاءات إن القضية الفلسطينية من ثوابت السياسية الخارجية المصرية، وأن دولة مصر قدمت وستقدم الكثير لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني، ولن نستطيع التخلي عن القضية الفلسطينية خاصة أن أمنها جزء من الأمن القومي المصري”.

السيسي ومصالحة الفرقاء

استكمل الرئيس عبدالفتاح السيسى، ما بدأه أسلافه من رؤساء دولة مصر في دعم القضية الفلسطينية، لإيجاد حل لأكبر أزمة بالشرق الأوسط، والتقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن عشرات المرات ارفاق للاتصالات الهاتفي لمتابعة القضية بشكل مستمر.

السيسى وابو مازن

السيسى وابو مازن

وفى أول كلمة له في الاتحاد الإفريقي بتاريخ 26 يونيو 2014 تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى: “لا يفوتني فى إطار كلمتي أن أعرب عن اعتزازنا بالدعم الإفريقي التاريخي والمتواصل لنضال الشعب الفلسطيني للحصول على حقه المشروع في تأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس”.

وبدأت الأجهزة الأمنية والسيادية بمصر في عهد الرئيس السيسي، بحث حل جذري للخلافات بين الفصائل الفلسطينية – حركتي فتح وحماس- بعد الانقسام الذي استمر عقودا، واستطاعت في 22 أكتوبر الماضي، توقع اتفاق المصالحة الفسطينية بين الحركتين في القاهرة.

صلح الفصائل الفلسطينية

صلح الفصائل الفلسطينية

وتضمن الاتفاق تمكين الحكومة الفلسطينية من العمل على كافة التراب الفلسطيني، في قطاع غزة ورام الله، بموعد أقصاه 1 ديسمبر .

اقرأ أيضًا..

“رئاسة الجمهورية”: موقفنا واضح تجاه قضية فلسطين.. وقرار “ترامب” خاطىء